أسرار الموقف.. 4 أسئلة كان هندرسون يحملها معه عن سوريا
2/9/1957 الأهرام
فى رأى مصر أن الفرصة الحقيقية التى ضيعها لوى هندرسون نائب وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، ومبعوثه الخاص لاستكشاف الموقف فى سوريا - هى أن هندرسون لم يركب طائرته من واشنطن إلى دمشق مباشرة، بدل أن ينزل فى استانبول، ثم يروح يتسكع بعدها فى بيروت، يتسقط أنباء الذى يجرى فى دمشق من فم الدكتور شارل مالك!!
ولقد أوضحت مصر رأيها كاملاً حين سئلت عنه، وملخص رأى مصر ومضمونه:
"إن مفتاح الموقف فى العاصمة السورية، وليس فى أى عاصمة غيرها".
لقد فهمت مصر أن لوى هندرسون طار إلى الشرق الأوسط بعد الأحداث الأخيرة فى سوريا فى مهمة خاطفة أطلقوا عليها رسمياً اسم fact finding Mission أى "بعثة البحث عن الحقائق".
وفى عملية البحث عن الحقائق فى سوريا، قضى هندرسون فى استانبول أربعة أيام، قابل فيها مندريس، وقابل فيها حسين ملك الأردن وفيصل ملك العراق - أو الملوك الأطفال كما أصرت الصحف الإنجليزية على تسميتهما فى عناوينها طوال هذا الأسبوع!
ثم طار هندرسون من استانبول إلى بيروت، وفى بيروت استمع هندرسون إلى كميل شمعون وشارل مالك، ثم أنهى مهمته، أو هكذا تصور، وبدأ يحزم حقائبه استعداداً للعودة إلى الوطن!
لم يعبر حدود سوريا، ولم يصل إلى دمشق.
ولم يقابل القوتلى، ولا العسلى، ولا البيطار، ولا البزرى، ولا واحداً من الذين يتولون مقاليد الأمور فى عاصمة الأمويين!
من استانبول.
ومن بيروت... حاول هندرسون أن يجمع الحقائق عن دمشق!
ومن حسين، ومن مالك... حاول هندرسون أن يتفهم آراء القوتلى والعسلى!
وكانت مصر على خلاف مع هندرسون، وقالتها صراحة، وقالتها رسمياً - لا تطوعاً وإنما استجابة لطلب - فى الطريقة التى حاول بها إنجاز مهمته... مهمة البحث عن الحقائق!
ولو كان هندرسون ذهب إلى دمشق لاستطاع أن يرى بعينيه ما يغنيه عن التسمع البعيد المدى، واصطياد الأصداء القادمة عبر الجبال الشاهقة.
ولو كان هندرسون قد ذهب إلى دمشق، لما كان هناك شك فى أنه يستطيع أن يحمل إلى رئيسه دالاس صورة حقيقية للموقف فى سوريا هذا بصرف النظر طبعاً عما إذا كان فى استطاعة دالاس نفسه أن يفهم الحقيقة إذا وضعت أمامه أم يعرض عنها كعادته ويندفع كالثور الهائج إذا ما رأى اللون الأحمر... حتى ولو كان فى باقة ورد!
فى جيب هندرسون:
لقد كان هندرسون يحمل فى حقيبته أربعة أسئلة يريد أن يتوصل خلال ما يسمعه من إجابات عليها إلى معرفة الحقيقة فى دمشق.
أولاً - السلاح الذى اشترته سوريا من روسيا.
ثانياً - الخبراء الروس الذين يعملون فى سوريا.
ثالثاً - لماذا يضيق على الموالين للغرب فى سوريا؟
رابعاً - أليس معنى ذلك كله أن سوريا تقترب أكثر مما ينبغى من روسيا؟
انتهت الأسئلة الأربعة التى كان هندرسون يحملها فى جيبه يحاول أن يستعمل الإجابات عليها مفاتيح لفهم الموقف فى سوريا.
ولا أحد يستطيع أن يحدد بالضبط ما هى الإجابات التى سمعها هندرسون ردوداً على هذه الأسئلة من شارل مالك ومن حسين بن طلال. ولكن المؤكد أن هندرسون كان يستطيع أن يجد الحقائق كاملة إذا ما طلبها من أى مواطن عربى لم يحترف بيع ضميره إلى أمريكا بالدولارات، والمؤكد أيضاً أن هندرسون كان يستطيع أن يجد الحقيقة فى دمشق، إذ الثابت أن سوريا لا تريد ولا مصلحة لها أن تدخل فى عداء لا نهاية له ضد أمريكا.. إلا - بالطبع - إذا اضطرت لهذا العداء اضطراراً ولم تجد مفراً من أن تحارب معركة حياة أو موت وظهرها إلى الحائط!
مصر توسطت لدى بريطانيا:
إن الإجابة على السؤال الأول الذى يحمله هندرسون فى جيبه أبسط من البساطة!
إن سوريا اشترت السلاح من حيث وجدته.
لقد اقتحمت إسرائيل على سوريا عقر دارها وهجمت على قراها المطلة على بحيرة طبريا ولم تجد سوريا إلا قراراً باللوم من مجلس الأمن يدمغ إسرائيل بالعدوان، ولكنه ليس كافياً لردعها. ولم يكن أمام سوريا -كما لم يكن أمام مصر قبلها- بداً من أن تسلح نفسها عملاً بالمبدأ الذى تنهجه أمريكا نفسها وهو: أن القوة طريق السلام.
لقد كانت سوريا فى حاجة ماسة إلى السلاح لدرجة أنه جاء وقت طلبت فيه سوريا من مصر أن تتوسط لها رسمياً لدى بريطانيا لكى تسلمها ست طائرات كانت تعاقدت معها على شرائها.
كان سلوين لويد ماراً بمصر فى زيارته المشهورة لها يوم أول مارس سنة 1956، وأبرقت دمشق تطلب من الرئيس جمال عبد الناصر ألا ينسى فى حديثه مع سلوين لويد، طائرات سوريا الست.. من طراز ستيور النفاثة.
ولم ينس الرئيس المصرى طبعاً، ولكن الوزير البريطانى أراد النسيان.
ثم طرقت سوريا باب روسيا، ولأول مرة فى علاقات الدول الصغرى بالدول الكبرى، لم يكن النسيان جواب الطرق على الأبواب!
فلماذا توجه أمريكا اللوم إلى سوريا وكان أولى أن توجه اللوم إلى نفسها؟
لقد وجهت سوريا سؤالها إلى الغرب أولاً ولم تسمع رداً.. فوجهت سؤالها إلى الشرق وكان الرد الفصيح البليغ!
فما هو وجه الخطأ.. أو وجه الخطر.
هذه إجابة على سؤال!
أسطورة الخبراء الروس:
والسؤال الثانى عن عدد الخبراء الروس فى سوريا، يبعث إلى الأذهان على الفور ذكرى الحكايات الملفقة التى طالما ترددت فى عواصم الغرب عن عدد الخبراء الروس فى مصر.
ولقد جاء وقت قدرت فيه عواصم الغرب عدد هؤلاء الخبراء فى مصر ببضعة آلاف.
تعليقات: 0
إرسال تعليق