إن بطرس غالى كان محظوظاً بالفعل، فقد نجح بتأثير عوامل متعددة أولها الجبهة الأفريقية التى رشحته بداية، ثم الجبهة الفرانكفونية التى وقفت وراءه بالكامل لأسبابها، ثم الجبهة العربية التى اعتبرته مرشحاً عربياً، إلى جانب جبهة يهودية ذات تأثير نافذ اعتبرته الوزير المصرى الذى تحمس للذهاب مع الرئيس السادات فى زيارته الشهيرة للقدس سنة 1977، فى حين استقال سلفه وتردد خلفه المختار فى قبول المنصب وتطوع هو لمهام السلام العربى - الإسرائيلى. وكان بطرس غالى يقدم نفسه فى صيغة ملائمة لكل الأطراف قائلاً: إنه مسيحى، من بلد إسلامى، ومتزوج من يهودية.
ثم بدأت لعبة الأصوات المعقدة فى اقتراعات مجلس الأمن ومعها محاولات الإسقاط والإنجاح، ووسط المناورات ذات المقاصد المتعارضة نجح بطرس غالى لأن عدداً أكثر من اللازم وبغير تنسيق أعطاه أصواته لإبطال ترشيح آخرين وإذا هو الفائز فى اقتراع 21 نوفمبر 1991 بين ثلاثة عشر مرشحاً.
وبعد فوزه المفاجئ - حتى له هو شخصياً - فإن بطرس غالى بذكائه ومرونته أدرك أن معركته الأولى أن يكسب ثقة واشنطن، وهكذا فإنه تعهد رسمياً بأن تكون ولايته مدة واحدة، أى خمس سنوات، لا يطلب بعدها التجديد اعترافاً منه بتقدم السن، وكذلك فإن تقريره الأول كسكرتير عام للأمم المتحدة، وهو التقرير الشهير الذى صدر بتاريخ 31 يناير 1992 بعنوان "أجندة للسلام" وحمل تعبيرات حديدية مثل "منع المنازعات" و"إدارة المنازعات" و"الدبلوماسية الوقائية" و"صنع السلام" وغيرها، كان مكتوباً فى إدارة التخطيط السياسى فى وزارة الخارجية الأمريكية. إضافة إلى أن بطرس غالى كان حريصاً وقادراً على المحافظة على توازنات القوة فى الأمم المتحدة.
ومن ناحية أصبحت الأمم المتحدة غطاءً للولايات المتحدة حيث وحين أرادت: فى الدخول إلى الصومال والخروج منه - فى الذهاب إلى هايتى والعودة منها - فى إبقاء العقوبات من على العراق أو ضبط هذه العقوبات بآليات من نوع اتفاقية "النفط مقابل الغذاء".
وفى ناحية أخرى كان لأوروبا الغربية - بدورها - ما أرادت، وبينه دخول البوسنة كقوات للأمم المتحدة، ثم تحولها قوات للمجموعة الأوروبية، ثم تحولها مرة ثالثة قوات لحلف الأطلنطى.
وفى أكثر المشاكل حساسية فإن بطرس غالى استطاع أن يرضى أشد الأعداء. وحتى فى موضوع مثل مذبحة "قانا" فى جنوب لبنان فى شهر أبريل الأخير، فإن التقرير النهائى للأمم المتحدة عن المذبحة لم ينشر بكامله رسمياً، وكان ما أذيع منه هو ما دعا الحال إليه بعدما تسربت أجزاء منه إلى بعض الصحف الأوروبية لأن رئيس لجنة التحقيق كان هولندياً. وكانت واشنطن راضية للتعتيم على بعض الفقرات، وفى الوقت نفسه كانت الصحافة العربية تكيل المديح لبطرس غالى لأن التقرير أذيع.
لكن المشكلة فى إرضاء كل الأقوياء وكل الأطراف فى الوقت نفسه، أنها حركة خطيرة معرضة للمفاجآت، وهذا ما حدث حين بدأت فرنسا تحاول أن تجد لنفسها دوراً أوسع بكثير من حدود وزنها فى مجتمع الدول، وقد ظهر فى البلقان.
وكانت المشاكل تتعقد، وكان الصراع الخفى للقوى أكثر من احتمال رجل واحد مهما كانت مرونته. وعندما قضى السكرتير العام الجديد نصف مدة ولايته بدأ الحديث كالعادة عن مدّ الولاية أو عن انتخاب أمين عام جديد.
وتبدت المعارضة الأمريكية صريحة واستعمل فيها تعهد بطرس غالى ألا يعيد ترشيح نفسه ثم طرأت محاولة الحلول الوسط، وفيها ما عرضه "وارين كريستوفر" وزير الخارجية الأمريكى عن اقتراح بمد خدمة غالى سنة أو سنتين إضافيتين حتى لا تكون إهانة له أن يكون أول سكرتير عام للأمم المتحدة فى تاريخها كله يقضى فى السكرتارية مدة واحدة.
وهنا وقع الخطأ الأكبر فى الحسابات، فقد أعلن غالى ترشيح نفسه على مسئوليته، وكشفت الولايات المتحدة معارضتها له صراحة، وخرج الأمر إلى نطاق الدبلوماسية العلنية، وتحول إلى مادة فى الإعلام الدولى بحملات وحملات ومضادة بما يشكل موقفاً مزعجاً لكل الأطراف وأولها الأمم المتحدة نفسها فكرة وميثاقاً وتنظيماً. وربما كانت أكبر شهادة لكفاءة بطرس غالى أن معارضة واشنطن لترشيحه مرة ثانية وجدت تأييداً من أكبر الكتاب اليهود فى أمريكا، كما وجدت فى العالم العربى من يعتبرها قضية قومية!
لكن الإصرار الأمريكى على مرشح آخر راح يزيد، وفى مواجهته ظهر إلحاح فرنسى - وإلى حد ما أوروبى - على التجديد ولو جزئياً لغالى، وأصبح الموقف غليظاً فى أحسن الأحوال.
وهنا تجىء مسئولية كل الذين يحرصون على الأمم المتحدة، ويحرصون فى الوقت نفسه على بطرس غالى، ذلك أنه وحده يستطيع أن يتدارك الأزمة لكى لا تسوء أكثر مما هى سيئة.
وفى ظنى أن الأكرم والأسلم أن يعلن بطرس غالى بنفسه أنه لا يسعى ولن يقبل ترشيح نفسه مرة أخرى لسكرتارية الأمم المتحدة.
وأسبابى فيما أقول به من رأى - سببان:
*أولهما: أنه إذا استطاع بطرس غالى أن يفرض نفسه رغم معارضة الولايات المتحدة، فالنتيجة أن الأمم المتحدة نفسها سوف تصبح مشلولة بخلاف بين أمانتها العامة وبين القوة التى أخذت على نفسها بحقائق الأشياء الواقعة - مهما كانت مؤقتة - مسئولية إدارة النظام الدولى الراهن.
*والثانى: أنه إذا استطاع بطرس غالى أن يحصل على موافقة الولايات المتحدة، فإن ذلك سوف يكون ضريبة باهظة تدفعها المنظمة الدولية فى وقت يحتاج العالم فيه إلى فاعلية هذه المنظمة.
فى الحالة الأولى: يحرج الأمم المتحدة بالخلاف وربما الصدام مع واشنطن.
وفى الحالة الثانية: يحرج منصبه بالمساومة وربما الارتهان لواشنطن.
وقد يستطيع بطرس غالى - كخدمة أخيرة للمجتمع الدولى - أن يعلن للعالم فى تقرير صريح خلاصة تجربته وتقييمه لعمل الأمم المتحدة، وما يمكن أن يكون عليه دورها فى قرن قادم، ولكى لا تصبح المنظمة الدولية كتلة مترهلة من الشحم تجثم على صدر هذا المجتمع الدولى، أو مطرقة من الحديد فى يد دولة واحدة تنزل به على رأسه.. وتلك مهمة أبقى وأهم من أى منصب!!
|
تعليقات: 0
إرسال تعليق