إعادة انتخاب بطرس غالى
17/11/1996
تلقى الأستاذ إبراهيم نافع الرسالة التالية من الأستاذ محمد حسنين هيكل:
الأخ والصديق الكريم، هل أستطيع أن أرجوك لأسباب لا تغيب عن بالك أن يتفضل الأهرام بنشر مقالى عن مسألة إعادة انتخاب الدكتور بطرس غالى سكرتيراً عاماً للأمم المتحدة - وذلك هو المقال الذى نشرته جريدة "يوميورى شيمبون" التى تصدر فى اليابان فى عددها الصادر يوم 4 نوفمبر الحالى.
إننى فى العادة لا ألحّ على أحد فى مصر بطلب نشر ما أكتب وأقول فى الصحافة العالمية - لكننى بالنسبة لهذا المقال بالتحديد أتصور نفسى صاحب حق - ولعلك توافقنى.
ومن هذا الحق المتصور فإننى أرفق مع هذا الخطاب نصاً حرفياً لترجمة عربية لهذا المقال، راجياً أن تتاح الفرصة لقارئ الأهرام حتى تكون الصورة الكاملة والصحيح للمواقف والأفكار تحت نظره.
ومع صادق المودة أرجوك أن تقبل موفور الاحترام.
محمد حسنين هيكل
من أصعب المواقف أن يتطوع رجل بنصيحة لرجل آخر لم يطلبها منه، والأصعب أكثر إذا كانت هذه النصيحة متعارضة مع هواه وربما مصلحته كما يراها، وتصبح هذه الصعوبة بالغة إلى أقصى درجة إذا جاءت النصيحة فى ظرف معقد يتوقع فيه أى صديق من صديقه أن يقف بجانبه دون مساءلة، فإذا لم يستطع فعلى الأقل يبتعد.
وذلك ما أتمثله تماماً وأنا أنصح بطرس بطرس غالى أن يعلن بغير تردد وبغير أسف أنه لا يريد ولن يقبل تجديد خدمته كأمين عام للأمم المتحدة لنصف فترة أخرى أو لفترة كاملة.
ولعلى أعترف أننى واحد من الذين أرضاهم إلى أبعد حد أن ينتخب بطرس بطرس غالى سكرتيراً للأمم المتحدة فى نوفمبر سنة 1991. وكان رضاى يعود إلى ثلاثة أسباب مباشرة:
أولها أن بطرس غالى صديق شخصى وزميل عمل فى جريدة "الأهرام" لمدة ثمانية عشر عاماً.
والثانى أننى سعدت بأن يتولى أفريقى مصرى ذلك المنصب.
والثالث - وهو معقد بعض الشىء - أن بطرس غالى قبطى "مسيحى مصرى" وكان اعتقادى قبل اختياره لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة أنه يستحق منصب وزير خارجية مصر فى إطار السياسات الراهنة. لكن ذلك المنصب أفلت منه بدعاوى واهية بينها أن تعيين قبطى وزيراً للخارجية من شأنه أن يثير ثائرة الأصوليين الإسلاميين فى هذه الظروف، وكان ذلك تخوفاً مبالغاً فيه فى ظنى، فالأقباط فى مصر مع صلابة عقيدتهم الدينية قبلوا وعاشوا وشاركوا فى صنع الإطار الحضارى العربى وجوهره فى الكثير منه إسلامى، وهو أمر يعترف به كل المفكرين والقادة المسيحيين - مضافاً إلى ذلك أن بطرس غالى كان بالفعل وزير دولة للشئون الخارجية، والفارق بين ذلك المنصب ومنصب وزير الخارجية الكامل خيط رفيع - ولذلك فقد أسعدنى أن الرجل الذى لم يستطع - بدون ذنب - أن يصل إلى ما كان يريد فى بلاده، وصل - وباستحقاق - إلى أكثر مما تصور خارج بلاده.
إن بطرس غالى لم يكن يفكر فى منصب السكرتير العام للأمم المتحدة، وإن فكر فى مواقع دولية أخرى ورشح نفسه لها بالفعل، مثل المدير العام لليونسكو، وسكرتير عام منظمة الوحدة الأفريقية، ولم يحالفه النجاح فى الحالتين.
وكانت المصادفات وحدها هى التى وضعت اسمه على قائمة الأفارقة لمنصب السكرتير العام للأمم المتحدة.
وقد روى لى بطرس غالى بنفسه قصة المصادفة التى وقعت حينما كان فى كنشاسا عاصمة زائير يحضر اجتماعاً لوزراء الخارجية الأفارقة الذين كلفوا بأن يختاروا مرشحاً أفريقياً بعد أن انتهى الرأى إلى أن الدور حلّ على أفريقيا فى تولى هذا المنصب بعد أن تنقل طويلاً بين أوروبا ("تريجفى لى" من النرويج، و"داج همرشولد" من السويد، و"كورت فالدهايم" من النمسا) - وآسيا ("يوثانت" من بورما) - وأمريكا اللاتينية ("بيريز دى كويلار" من شيلى).
روى لى بطرس غالى أن التوجيه الصادر إلى وزراء الخارجية الأفارقة من رؤساء دولهم هو أن يرشحوا خمس شخصيات أفريقية لكى يختار منها مجلس الأمن ولا يكتفوا بترشيح شخصية واحدة بحيث لا يسقط الحق الأفريقى فى المنصب إذا كان هناك مرشح وحيد وظهرت اعتراضات جدية عليه أثناء عملية التصويت. وفى اجتماع حضره الرئيس الزائيرى الجنرال "سيسى سيكو موبوتو" تم بالفعل اختيار خمس شخصيات أفريقية ليس بينهم اسم بطرس غالى وفجأة التفت "موبوتو" ناحية بطرس غالى وسأله قائلاً: "بيير" (الاسم المختصر لبطرس وهو مرادف لـ: بيتر) ألا تفكر فى وضع اسمك على القائمة حتى وإن وصل عدد المرشحين الأفارقة إلى ستة؟!"
وفوجئ بطرس غالى، لكن المفاجأة لم تطغ على رؤيته للفرصة التى ظهرت أمامه على غير انتظار، وقد تردد لحظة قبل أن يقول لـ "موبوتو": "إن تفويضه من حكومته لا يتسع لوضع اسمه على القائمة لكنه يظن أنها لن تمانع، وهو يطلب فرصة لكى يتصل برئيس الدولة المصرى حسنى مبارك ويستأذن منه " وبالفعل اتصل غالى من كنشاسا بالرئاسة فى القاهرة ولم يستطع لظروف مختلفة أن يتحدث للرئيس وأن يحصل على إذن صريح، لكنه قدر بعده أنه لا ضرر من وضع اسمه على القائمة، فإذا وقع اعتراض من الرئيس المصرى لسبب أو لآخر أمكن له أن يطلب رفعه بلا حرج فيما بعد.
ولم يكن مبارك متحمساً بسبب تخوفه من عدم النجاح، ولم يكن يريد لشخصية مصرية أن تدخل فى منافسة دولية على هذا المستوى ثم تفشل فى الحصول على الأصوات. ولكن بطرس غالى نجح فى إقناع مبارك بأن يسمح له أن يحاول وأن يساعده بخطابات شخصية يكتبها إلى عدد من الرؤساء الأفارقة والآسيويين وغيرهم.
ثم بدأ بطرس غالى يدير - لأول مرة فى تاريخ السكرتارية العامة للأمم المتحدة - حملة انتخابات حقيقية وكاملة.
ومثل كل الحملات الانتخابية فقد كانت هناك اتفاقات وتحالفات وجبهات وتوازنات دقيقة، وكانت نقطة الحرج فى ذلك كله أن بطرس غالى بدا مرشحاً للجبهة الفرانكفونية فى وقت كانت فرنسا فيه تحاول إعادة بعث هذه الكتلة الثقافية على أساس سياسى من جديد. ولم تكن الولايات المتحدة متحمسة لمرشح فرانكفونى فى مواجهة مرشحين أنجلوساكسونيين وإن كانوا من الأفارقة (مثل Bernard Chidzero وزير مالية زيمبابوى وOlusegun Obasanjo رئيس نيجيريا السابق). وزادت حدة المواقف حين أصبحت الدبلوماسية الفرنسية وغيرها من جهات السلطة فى فرنسا هى المتصدرة للدعوة لبطرس غالى، وكانت الدبلوماسية الأمريكية فى المقابل تقدم ثلاثة اعتراضات على بطرس غالى:
1- أنه متقدم فى السن، عمره سبعون عاماً وقت ترشيحه (من مواليد 1921).
2- أن السكرتير العام للأمم المتحدة يستحسن قياساً على السوابق أن يكون من بلدان ليست داخلة فى صراعات إقليمية حادة حولها - وذلك ليس حال مصر.
3- أن المرحلة القادمة بعد سقوط الاتحاد السوفيتى (وحرب الخليج أيضاً) تقتضى إعادة بعث للأمم المتحدة، وهذه مهمة تحتاج إلى خبرة إدارية أوسع مما يملكه بطرس غالى الذى قد يملك - كأكاديمى سابق - مزايا ذهنية ولكنه لا يملك بالتوازى تجربة إدارية كافية.
تعليقات: 0
إرسال تعليق